د. أنيسة فخرو: الطلاق (1)

الزواج هو مؤسسة اجتماعية تنظم العلاقة بين شريكين، فإن تزوج الرجل بإمرأة فهو لا يقترن بها وحدها بل بأسرتها وعائلتها وقبيلتها في واقعنا الاجتماعي العربي، والعكس صحيح.

وهذان الشريكان يجب أن تكون العلاقة بينهما إنسانية طوعية، تقوم على أساس التكافؤ الثقافي والاجتماعي، والتقارب العمري، والاحترام المتبادل، والنظرة المتقاربة لأمور الحياة، إضافة إلى اشباع الغرائز والعواطف الإنسانية وتنظيمها، كل ذلك يساهم في خلق البيئة الصحية لبناء أسرة طبيعية، وإذا انتفى أيا من هذه الأسس يؤدي ذلك إلى التعاسة الزوجية أو إلى الطلاق، فإذا كانت العلاقة غير إنسانية وغير طوعية ولا تكافؤ ثقافي واجتماعي، ولا تقارب في العمر، ولا احترام متبادل، واختلاف شاسع في وجهات النظر والممارسة السلوكية في الحياة، وعدم تحقيق الإشباع العاطفي والجنسي، فإما الاستمرار في الحياة الزوجية التعيسة وإما الطلاق الحتمي.

والزواج كما يتم بالرضا، يجب أن يتم الطلاق بالرضا، والآية الكريمة تقول: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، لكي يضمن حفظ كرامة كلا الطرفين، وعدم تأثير الطلاق على الأطفال في حال وجودهم.

ورغم عدم حبي للأرقام، إلا إنني مضطرة لرصد نسب الطلاق في مختلف الأقطار العربية، لأنها في ازدياد كبير، ففي مصر 161 ألف حالة طلاق كل 6 دقائق ووصلت النسبة إلى 45 في المئة عام 2014، وفي سورية 9 آلاف حالة طلاق في دمشق وحدها عام 2014، وفي محافظة بغداد 2012 بلغت النسبة 50 في المئة، وفي السودان 30 في المئة عام 2009، وفي الجزائر 60 ألف حالة طلاق من أصل 480 ألف عقد زواج سنويا، وفي تونس بلغت النسبة 48 في المئة، وفي المغرب بلغت 27 في المئة عام 2012، وفي البحرين كل 100 حالة زواج يحدث بعدها 30 إلى 40 حالة طلاق، وفي الكويت نسبة الطلاق قاربت 60 في المئة عام 2015، وفي الأردن فإن 80 في المئة من قضايا الطلاق مرفوعة أمام المحاكم لطلب الخلع، وفي محافظة طولكرم وحدها في فلسطين 360 حالة طلاق قبل الدخول، و1570 حالة طلاق بعده، خلال 2014.

وبينت نتائج دراسة في دول مجلس التعاون الخليجي عام 2012، ان نسبة الطلاق عامة نحو 47 في المئة، وفي السعودية 35 في المئة، والإمارات 26 في المئة، وأعلى معدلاتها في الكويت نحو 48 في المئة.

وبالطبع الطلاق ظاهرة عامة، ففي إحصائية عالمية عام 2009، أظهرت إن روسيا وبيلاروسيا والسويد وأوكرانيا والتشيك ترتفع نسب الطلاق لديهم إلى أكثر من 60 في المئة، وهذا يدفعنا إلى التفكير في الطلاق عند المسيحيين، حيث صعوبة الطلاق الكنسي لديهم، لكن القوانين المدنية الوضعية أصبحت تسهل الصعاب، فيما تقل النسبة في ألبانيا ومقدونيا وتركيا وماليزيا إلى أقل من 10 في المئة.

قرأت ذات مرة عن امرأة قامت بتنظيم حفلة لمناسبة طلاقها، وكحفلات الزواج دعت إليها كل أهلها وصديقاتها، فالطلاق ظاهرة طبيعية وصحية، لأن الإنسان عليه ألا يستمر في وضع يراه غير صائب، ويجلب له التعاسة بدلا من السعادة، ويحتاج الطلاق إلى شجاعة كبيرة، خصوصا من جانب المرأة لاتخاذ القرار والتنفيذ، لأن المسؤولية ستلقى على عاتقها من قبل المجتمع، ولأن الأعباء والمسئوليات تزداد عليها ولاسيما مع وجود أطفال.

والطلاق له علاقة بالتوافق والمحبة بين الشريكين، لأن الزواج مودة ورحمة، فإذا انتفى هذان الشرطان أصبحت البنية غير قوية لبناء أسرة سليمة، ومن الصعب الإجابة على من المسبب الأول للطلاق، أهو الرجل أم المرأة؟ لأنه لا يمكن تحديد ذلك، فلكل حالة خصوصيتها، والبيوت أسرار.

والحلول المقترحة للتقليل من ظاهرة الطلاق كثيرة، منها إيجاد مؤسسات إرشاد أسري تقوم بدورها في توعية الطرفين خصوصاً ما قبل الزواج، وتنظيم دورات مسبقة في متطلبات الحياة الزوجية والأسرية لتهيئتهم للحياة الزوجية، أما بالنسبة للمتزوجين والذين يعانون من حياة مضطربة غير متوافقة، فإن مؤسسات الإرشاد الأسري عليها أن تقوم بزيارات ميدانية وجلسات إرشادية للزوجين، ولاسيما للجدد، لأن أغلب حالات الطلاق تتم في السنوات الأولى من الزواج، وذلك للتخفيف من الخلافات، والمساهمة في حل المشكلات، وهذه الحلول يجب أن تضعها الدولة ضمن خطتها الاستراتيجية للتقليل من نسبة الطلاق وآثاره السلبية.

“الراي”
FACEBOOK
TWITTER
Whatsapp

قم بكتابة أول تعليق

أرسل تعليقك

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*