ما الهدف الحقيقي للاجراءات التي اتخذت في ملف الـ”داو”, هل هي فعلا لحماية المال العام ام لاهداف اخرى? هل هي لتبرئة ساحة المتسببين في هذه الكارثة القانونية والمالية, بمن فيهم الذين دفعوا الغرامة المليارية بعد استشارتهم بنك “جي بي مورغن” المستفيد من العملية بالمشاركة او التمويل, او مجموعة اخرى سعت منذ البدء الى عرقلة الصفقة ككل, وتعمل حاليا على إلباس الحكومة السابقة برمتها, وخصوصا رئيسها ووزير النفط السابق محمد العليم القضية ككل?
الجواب عن هذه الاسئلة لا يحتاج الى كثير عناء, فكل هذه الاجراءات المحمومة غايتها خلط الاوراق والتعمية على حقيقة من سعى الى تكبيد المال العام هذه الخسارة الكبيرة, وكلام الوزير السابق محمد العليم بيض الله وجهه واضح في هذا الشأن فهو تحدث بصراحة حين قال ان” غالبية الحكومات السابقة واجهت زحفا نيابيا على صلاحياتها, ونقول: الذين كانوا يحكمون ويتحكمون بمسار الدولة بضعة نواب عبر تأجيجهم حماسة الشارع وتزويرهم للحقائق ورمي الناس بالتهم الباطلة”.
بعض حكومات سمو الشيخ ناصر المحمد الاخيرة واجهت سيلا من الاتهامات في ظل سعي نيابي مجنون الى الزحف على صلاحياتها وغلّ يدها عن العمل, لا سيما حين اكثر نواب الخيبة من حديثهم عن الرشاوى والسرقات والايداعات والتحويلات, وغيرها الكثير من الاتهامات, بل تمادوا في غيّهم الى حد تشكيل لجان تحقيق كان هدفها تزوير الحقائق وشل القضاء الذي كان ينظر في غالبية ما اثاروه من تهم, ووصل فيهم الامر الى حد الحديث عن ارقام لمبالغ دخلت حساب هذا وذاك من النواب والوزراء وحتى رئيس مجلس الوزراء, وأدى كل ذلك الى تعطل المشاريع الستراتيجية, بل تعطل البلد ككل, ولم يرف لهؤلاء جفن حين اثبتت الايام كذب ما ذهبوا اليه.
نعم, في هذا الشأن نلوم الحكومات السابقة على حلمها في مواجهة تلك الفئة النيابية الضالة التي تسيدت المشهد في المجلسين السابقين, وعندما وجدت ان لا سبيل امامها الا الحزم وفرض هيبتها, وفقا لتعليمات عليا بشأن تطبيق الدستور والقانون على الجميع, رأينا كيف اقامت تلك الفئة الدنيا ولم تقعدها وراحت تعمل على تقويض الدولة ككل, بل انها لم تبد اي تعاون مع ان آخر حكومات سمو الشيخ ناصر سعت الى التآلف ومد يد التعاون الى ابعد مدى مع الاغلبية النيابية بهدف تمرير المشاريع التنموية الكبرى المعطلة.
ما مارسته تلك الفئة من ارهاب معنوي وسياسي دفع حتى النواب المتعاونين مع الحكومة على اخراج البلاد من ازمتها الى التراجع عن مواقفهم ازاء احتقان الشارع, بل ان بعضهم وتحت ضغط ذاك الارهاب سقط في فخهم, واضطر الى التعاون معهم حتى لا يتهم بتهم باطلة.
يومذاك قال نواب الخيبة ان صفقة الـ”داو” دفعت فيها عمولات كبرى, وتكاد الارقام التي اعلنوها ان تتجاوز مبلغ الصفقة, ففي فرية واحدة من افتراءاتهم اتهموا سمو الشيخ ناصر المحمد بتقاضي 850 مليون دولار عمولة عنها علما ان الصفقة كلها تبلغ خمسة مليارات دولار, وحين ذهب الى القضاء, في هذه القضية ثبتت براءته ونظافة يده وثوبه, بل ان النواب الذين اتهموا بتلقي الرشاوى والايداعات والتحويلات اثبت القضاء, ايضا, براءتهم وحفظت القضايا بمذكرات فسرت كل شيء, فيما تلك المجموعة النيابية استمرت في التزييف والتدليس وكيل الاتهامات, وكلما كانت تفشل في محاولة تلجأ الى اخرى حتى وصلت الى تحريض الشارع, ومحاولة اثارة القلاقل الامنية والتطاول على مسند الامارة, ما دفع في نهاية المطاف بسمو الشيخ ناصر الى الاستقالة حفاظا على الكويت واهلها, يومها خيل لتلك الجماعة انها باتت قاب قوسين او ادنى من كرسي الحكم, فزادت من جرعات تطاولها وتماديها في ارتكاب الجرائم السياسية ضد الوطن والدولة.
كل هذا السعي الجنوني الى الامساك بعصب الدولة وزرع المحاسيب والازلام والاقرباء في مفاصلها, خاب حين اتخذ ولي الامر قراره التاريخي لانقاذ البلاد عبر تعديل نظام التصويت, فطاشت سهام المؤزمين وخابت آمالهم, واختاروا المقاطعة وسيلة للهروب من مواجهة حجمهم الحقيقي في الانتخابات التي انتهت الى المجلس الحالي, مجلس أشاع الراحة والطمأنينة في المجتمع بسلسلة من الانجازات التشريعية والتعاون مع الحكومة, فيما في المقابل كانت تتكشف مخازي تلك الجماعة المرجفة, وبخاصة في ما يتعلق بتسببها بغرامة العصر التي يحاولون اليوم رمي كرتها في ملعب الحكومة, سواء أكانت حكومة سمو الشيخ ناصر المحمد او حكومة سمو الشيخ جابر المبارك, ليهربوا مجددا من تحمل مسؤولية جريمتهم.
بالعودة الى مشروع الـ”داو” وما يجري على هامشه اليوم, لا يحتاج المرء الى التأمل كثيرا ليعرف من تسبب بافشاله وتكبيد الكويت هذه الخسارة, لأن الذين سعوا الى خنق هذا المشروع لا يزالون يتفاخرون بما ارتكبوا من إثم عظيم, وخصوصا حين رموا الابرياء بالتهم الباطلة ما اضطرهم لترك الجمل لهم بما حمل, على أمل ان يتبين في يوم من الايام الخيط الابيض من الاسود, وها قد حصحص الحق وظهرت الالوان بعد انجلاء العتمة, وعرف الناس ان خيط أولئك المؤزمين أسود, بل هو أكثر سوادا من حلكة الليل.
أخيرا, لقد أوضح الوزير السابق محمد العليم في حديثه الى قناة”الراي” قبل ايام الجوانب كافة المتعلقة في هذه القضية ووضعها أمام الشعب الكويتي ليعرف من تسبب بها, وهم الذين كفروا بنعم الله, وكذبوا وبطروا, وظنوا أنهم باتوا على مشارف كراسي الحكم, لكنهم اليوم على كراسي القانون الذي فيه عقابهم على ما ارتكبوا.
أحمد الجارلله
المصدر جريدة السياسة

قم بكتابة اول تعليق