خالد الجنفاوي: “عقل” يرفض لغة الأرقام والتحليلات العلمية

ربما يسخر بعض العلماء والمفكرين في عالمنا من ذلك الشخص الذي يبدو أنه يرغب في العثور على نظرية واحدة شاملة وجامعة يمكن أن تفسر كثيراً مما يحدث في العالم, فهذا النوع من العقليات بسيطة التفكير ميتافيزيقية وضيقة الأفق بشكل كبير أي تركز على ما هو مجازي ونظري ومتخيل للغاية بينما تهمل الالتفات نحو ما هو عملي وعلمي وملموس. فيصعب أن يتفاهم الفرد الذي يستعمل التفكير العملي في حياته اليومية مع ذلك الشخص الذي لا يزال منغمساً بتفكيره الخيالي ومن يهمل الواقع والحقيقة والدلائل العلمية ويتعلق فؤاده فقط بما يمكن أن يحدث نظرياً أو مجازياً ! أحد صراعاتنا الحضارية في المجتمع العربي التقليدي تتمثل في تناقض طرق تفكير البعض مع ما يحدث في عالم معاصر عملي وجاد وعلمي: فليس ثمة متسع في عالم اليوم للميتافيزيقية وللأحلام الوردية وللتمنيات المبالغ فيها, فعالمنا يرتكز على العملية والنظامية والعمل الجاد, وربط المقدرات والإمكانات الفعلية مع ما يمكن للإنسان تحقيقه قولاً وفعلاً في حياته اليومية.
وبالطبع, من يعاني المُر والإحباط في هكذا بيئات اجتماعية ترفض الواقع وتقدس الأحلام وتتعيش على الشعارات الرنانة, وتُعلي شأن اللغة المجازية والشعرية, وتدير ظهرها للغة العلم والأرقام والدراسات العلمية, فهم من عودوا عقولهم على التفكير العلمي والعملي. وسواء تحقق ذلك التفكير العلمي والعملي لدى البعض عن طريق اطلاعهم على علوم الغرب أو معيشتهم الطويلة هناك, فسيعاني هؤلاء وباستمرار من انفصام ذهني قسري مفروض عليهم يناقض بين ما تقوله عقولهم وما تؤكده أذهانهم المتقدة وبين ما يحدث في مجتمعاتهم. فالأزمة العقلية الحقيقية في عالمنا العربي “المعاصر” تكمن في صراع محتدم بين عقل يقبل التعددية والاختلاف والتنوع ويقبل لغة العلم والأرقام وبين “عقل” إنساني آخر يبدو لا يزال يمتطى الصهوة الجامحة للانفعالات العاطفية ويعشق الانغماس في تصرفات فوضوية ترسخ رجعية التفكير وتُعبِّدُ مزيداً من الطرق نحو التدهور الحضاري.
أتمتع شخصياً بالقراءة عن الخرافات والأساطير, وخصوصاً إذا أتت على شكل قصص مثيرة تؤرخ محاولات الإنسان البدائي فهم ما يدور حوله في الطبيعة. ولكنني أعتقد أنه في عالم إنساني معاصر يرتكز على لغة العلم والإحصاءات وعلى لغة الدلائل والبراهين العلمية, إذ يصعب أن يعيش أحدهم سعيداً في عالم اليوم بينما لايزال يعتنق طريقة تفكير خرافية.
*كاتب كويتي
khaledaljenfawi@yahoo.com

المصدر جريدة السياسة

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.