“التفكير العقلاني عديم الأهمية, كساحل على طرف قارة اللاعقلانية حيث استقرت جماعة ضعيفة من العقلانيين وسط عالم متوحش” (ويلفريد كروس).
لا أعرف حتى الآن كيف سيكون مصير الإنسان السوي والمعتدل في آرائه وبخاصة الذي يدعو الى تكريس العقلانية والاعتدال في مجتمعه, وهو يرى أمام عينيه أن ما يحصل على أرض الواقع لا يزال غير عقلاني ولا معتدل! فبدلاً من أن تتم مكافأة من يدعو للعقلانية والاعتدال وللوحدة الوطنية وقبول التعددية وتكريس التآلف الاجتماعي, وأن يمنح الفرد مزيد من الفرص لبث رسائله الايجابية في المجتمع, لكن يحصل العكس. بل أرى أن أكثر من يستفيد ويطعم الخبز وربما يفوز بما لذ وطاب يبدو من ينتمون لتيارات سياسية أو فكرية توجهاتها ليست عقلانية, وتسعى فقط الى تنفيع أعضائها ومؤيديها. فلا اعتقد أن من تأبط التفكير العقلاني واعتنق مبادئه سيستمر كما هو وسط اللاعقلانية, يحرث في بحر و يزرع في أرض صبخاء, فالعاقل هو من يعقل الأمور ويكتشف بسرعة التناقضات الفجة بين ما يقال وما يحصل فعلاً على أرض الواقع المرير, قبل فوات الأوان! فالعقلاني فعلاً هو من سيختار له نمط حياة مختلفاً أكثر عملية وأقل رومانسية, وربما أكثر منفعة له مما كان ينتهجه في السابق. فالأحلام العقلانية والدعوة للاعتدال في عالم يبدو متوحشاً ومضطرباً ولا عقلانياً ستزيد تخمة التفاؤل المزيف, فقط لا غير.
وبالطبع, لن يدرك كثير من الناس, ولن يقدروا أن الدعوة للعقلانية ومحاولة تكريس الاعتدال والمنطق والتعاون المثمر هي بالفعل جهود جبارة لا يقدر على بثها وترسيخها سوى من تخلص فعلاً من النعرات القبلية والطائفية والطبقية. فأصعب ما يمكن أن يتحدث عنه الانسان في زمن الغوغائية هي اللا-غوغائية والعقلانية والاعتدال. فبالاضافة إلى شعور العقلاني بالعزلة الاجتماعية سيعاني هكذا أفراد عقلانيون من قلة الفرص, وسيشعرون بفشل مرير يتمثل في عدم قدرتهم ربط آمالهم وتطلعاتهم المشروعة بما يمكن لهم أن يحققوه من نجاحات مستحقة في بيئتهم الوطنية: فالعقلانية لا تطعم خبزاً, بل تورث القهر والألم والحسرة وخيبة الأمل.
وربما سيصل العقلاني يوماً ما إلى إستنتاج غير عقلاني: فلربما يكون الغوغائيون والفوضويون واللاعقلانيون والمتكسبون والمنافقون والمطبلون ومثيرو النعرات على حق وهو على خطأ! فلماذا يجهد المرء نفسه بلا فائدة, فيقرأ ويبحث ويعاني المر ويأخذ المسألة بجد بهدف تكريس العقلانية في بيئته المحلية, بينما الجماعة كاشتين ورافعين الجام!
* كاتب كويتي
khaledaljenfawi@yahoo.com
المصدر جريدة السياسة

قم بكتابة اول تعليق