صلاح الفضلي: العوض بسلامتكم

كثر الحديث في الأيام الماضية عن «زلزال» غرامة المليارين المترتبة على فسخ عقد «الداو»، وهو حديث مستحق بسبب حجم الخسارة الفادحة التي تكبدتها الدولة بسبب عقد «ملغوم» كان يمكن استثمار المبلغ الذي دفع لهذه الغرامة في إقامة مستشفيات وجامعات، وتحسين طرق وغيرها من المشاريع التي يحتاج إليها المواطن، حصل ما حصل ولن ينفع بعد أن وقع الفأس بالرأس البكاء على الحليب المسكوب، فالعوض بسلامتكم، فقد دفع مبلغ المليارين وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، ولكن المهم أن نستفيد مما حصل لتصحيح الأوضاع في البلد ككل، وفي القطاع النفطي بالخصوص، لكونه القطاع الذي يسيل لمناقصاته وعقوده لعاب القطط السمان.
لنبدأ بإحالة الحكومة الموضوع للنيابة فنقول إن هذا إجراء مستحق، بشرط ألا تكون الإحالة «ملغومة»، بحيث تسمح للمتسببين بالخروج من المسؤولية مثل الشعرة من العجين، وما يدعو للتنبيه المسبق هو وجود سوابق عدة خرج المتهمون فيها من الموضوع بسبب نقص في المعلومات أو «خطأ في الإجراءات»، الأمر الثاني الذي قامت به الحكومة وهو أمر مستحق أيضا هو إيقاف المسؤولين عن العقد عن العمل، وعمل غربلة كبيرة في القيادات النفطية، ولكن هذا الأمر يفتح في الأساس ملف كيفية تعيين القيادات في القطاع النفطي بالخصوص وفي الدولة بالعموم، فهناك قناعة لدى عامة الشعب أن المعيار الأساسي في اختيار القيادات يأتي حسب الانتماءات الحزبية والعائلية، واستعراض أسماء قيادات القطاع النفطي يؤكد ذلك، فهناك انطباع عام أن المحسوبين على «حدس» يسيطرون على مفاصل القيادة في القطاع النفطي وفي غيره، حتى يخيل لك أنهم أخطبوط ممتد الأذرع في مؤسسات الدولة ككل، بما فيها وزارة التربية وجامعة الكويت، وما يدل على ذلك استماتة «حدس» في الدفاع عن الصفقة، وآخرها المقابلة التلفزيونية لوزير النفط السابق محمد العليم الذي يبدو أنه للتو استفاق من سباته، وقرر أن يتكلم بعد أن فات الفوت.
التراشق الذي يحصل هذه الأيام بين نواب «الشعبي» السابقين، ونواب «حدس» السابقين للدفاع عن موقف كل منهما من الصفقة، حيث كان «الشعبي» يطالب بإلغاء العقد و«حدس» تطالب بتنفيذه، هذا التراشق وإن كان يتم بصورة غير مباشرة لأن أعداء الأمس أصبحوا حلفاء اليوم، يكشف عن الطريقة والعقلية التي تدار بها الأمور في البلد، التي يحكمها صراع المصالح التجارية بين الهوامير بتواطؤ وإذعان وتنسيق حكومي، بحيث يتم الاستحواذ على أكبر قدر من الكيكة ولا يبقى للمواطن البسيط إلا الفتات، بل ويتم «التمنن عليه» أيضاً. شخصياً لست متفائلاً بأية إجراءات حكومية لتصحيح الوضع، فالواسطة والفساد والتنفيع وصلت إلى العظم، وأصبحت جزءا من ثقافة العمل الحكومي، ولذلك نقول لعامة الشعب «تعيشون وتاكلون غيرها».

المصدر جريدة الكويتية

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.