عزيزة المفرج: المتسوق السري

ذات مرة، وفي أحد الاجتماعات في وزارة الكهرباء، طرح أحدهم استفسارا حول دفع رواتب كاملة لعدد 200 موظف لا يعلمون شيئا عن دواماتهم الرسمية في الوزارة، فيرد مسؤول كبير فيها أننا بالفعل نواجه مشكلة ولكنها مسؤولية وضمير الوكلاء المختصين، والمديرين التابعين. هذا الرأى من ذلك القيادي يبين ليس فقط أننا نعيش في مشكلة، بل ويزيد عليها عدم الرغبة في حلها حلا جذريا، والا فهل يعقل ان نعتمد على الضمائر فقط في عملية الالتزام والاخلاص في العمل، ونتّكل على الحس الديني في ذلك المجال، وماذا اذا كان الضمير غائبا غيابا أبديا بعد ان ضاع وضل السبيل؟ وماذا لو كان الحس الديني أضعف وأوهن من بيت العنكبوت؟ هل نرضخ ونرضى ونكتفي بالدعاء الى الله بأن تتحسن الأحوال، ونعتبر أنه ليس بالامكان أحسن مما كان؟ هل علينا ان نطوّف لموظف متخاذل لا يعرف الطريق الى مكان عمله؟ أو آخر نائم في منزله بعد ان ضبط غيره من الوافدين لكي يؤدي عنه مهام وظيفته؟ ونغفر لموظف انجازه يتميز بالبطء والملل لأنه طفران وما له خلق، ونفوّت لموظف قادم من سهرة الديوانية للدوام مباشرة ما جعله يتعامل مع الغير بنفس كفتحة بالوعة، وكأن المراجع قصده من أجل ان يستلف منه، وهو المفلس، أو يشحذ منه وهو البخيل، ونغض الطرف عن ثالث أناني يختزل دوامه بنصف ساعة، ثم يخرج اما لكي يلاحق مصالحه في البورصة، أو لكي يطمئن على سير الأمور في مكتبه الخاص، أو لكي يوسع صدره في الكافيهات والمولات.هل نفعل ذلك كله؟ وأتحدث هنا بلسان المسؤولين المهتمين، أم نتخذ الاجراءات الكفيلة بتغيير تلك النظرة للعمل وقيمته، ثم ألا يثبت رأي مثل هذا يأتي من مسؤول ان أمورنا تعبانة، وبأننا بتنا في حاجة ماسة لتدخل علاجي سريع ينقذ ما يمكن انقاذه. لماذا لا نبادر مثل غيرنا الى حل المشكلات بسرعة بدلا من تركها عائمة، تتراكم على حساب مصالحنا وأعصابنا؟ تلك النوعية من الموظفين التي تكره العمل والانضباط موجودة في كل بلد، والكويت ليست استثناء، والفرق عند غيرنا ان هناك من يحاسب، ولا يترك الأمور تمر مرور الكرام، ولا نروح بعيد.الامارات قريبة منا، وظروفها نفس ظروفنا، ولكننا لا نرى عوارا في النظام الوظيفي هناك، لسبب بسيط جدا، الرقابة التي لا تترك شيئا للظروف.في الامارات حرص كبير على حسن سير العمل وانضباطه، يساعد في ذلك طريقة المتسوق السري، لضبط الموظفين، والعاملين في الدولة، فيقوم موظفون بمراجعة مختلف أماكن العمل كمواطنين أصحاب مصالح، وعبر تلك المراجعات يحصلون على المعلومات اللازمة حول مستوى الأداء، ومدى التزام الموظفين، وتلك الطريقة هي أحد أسباب التميز الاماراتي في مجالات كثيرة حصلت فيها الدولة على جوائز دولية، أما نحن فلا نزال أسرى الواسطة غير العادلة، ونظرية هذا ولدنا، ولذلك لا عجب ان نقف دائما في الصفوف الخلفية.

عزيزة المفرج
almufarej@alwatan.com.kw

المصدر جريدة الوطن

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.