عامر التميمي: تسييس قضية “داو” يعطِّل كشف الحقائق

«أكاد أشك في نفسي لأني

أكاد أشك فيك وأنت مني».

من منا لم يستمع إلى أغنية أم كلثوم «ثورة الشك»، التي كتب كلماتها المرحوم الأمير عبدالله الفيصل العبد العزيز السعود، ولحنها الموسيقار رياض السنباطي. لكن لماذا اخترت الإشاره الى هذه القصيدة والأغنية العصماء؟

إن ما يثار في الكويت من اتهامات وطروحات لا نعلم مدى صحتها، أو دقتها على الأقل، يثير الكثير من الشكوك بين أفراد المجتمع وتجاه العديد من المسؤولين. وما يثار في الوقت الحاضر بشأن صفقة الداو التي انتهت بدفع الكويت غرامة مالية للشركة قدرها 2.2 مليار دولار نتيجة لإلغاء الصفقة لأسباب سياسية قد زاد من حملة التشكيك بالعديد من المسؤولين في القطاع النفطي وغيرهم من مسؤولين حكوميين. هناك من يؤكد بأن الصفقة كانت مثالية وأن الكويت فقدت فرص تحقيق أرباح رأسمالية وتشغيلية بعد أن جرى إلغاء الصفقة بسبب الضغوط السياسية التي تكالبت على مجلس الوزراء في نهاية عام 2008. وكما هو معلوم ان ذلك الوقت شهد أزمة مالية عالمية أدت إلى كشف المستور عن العديد من المشاكل الهيكلية في الاقتصاد العالمي، في الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي وكثير من البلدان الأخرى. تلك الأزمة كشفت أوضاع شركات عالمية مرموقة، حتى ذلك الحين، ثم انكشفت مشاكلها المالية وعجوزاتها عن مواجهة التزاماتها. لا شك أن داو كيميكال كانت من الشركات التي كشفتها الأزمة. لكن هل كانت الصفقة بينها وبين شركة البتروكيماويات الكويتية مثمرة ومجدية أم انها كانت غير ذات فائدة للكويت؟ لقد كان التعامل السياسي مع تلك الصفقة معطلاً لتوضيح الحقائق وكشف الإيجابيات والسلبيات.

هناك من يزعم بأن علاقة الشراكة بين البتروكيماويات والداو مجدية وذات نفع كبير، وان الشرط الجزائي هو إجراء تقليدي ويطبق في العديد من الاتفاقيات، ولم يكن هناك سبب مقنع لإلغاء الصفقة. آخرون يعتقدون أن الصفقة كانت لمصلحة الداو التي عانت من مشكلات مهمة، مالية وفنية، وان مصانعها لم تعد تتوافق مع تطورات الصناعة، ومن ثم فإن الكويت سوف تنتهي بتملك مصانع تواجه تراجع ميزاتها النسبية. كما أن هؤلاء يرون أن القبول بالشرط الجزائي عند إلغاء الصفقة بمنزلة خطيئة لا تغتفر بما يتطلب محاسبة المفاوضين الكويتيين الذين قبلوا بالشرط. لكن على الرغم من التوضيحات التي بدرت من المسؤولين ومن الوزير في ذلك الوقت، محمد العليم، فإن مناقشة الأمور لم تتم على اسس موضوعية، وكان الصخب السياسي عالياً ومتجاوزاً الحوار الهادف لمعرفة الحقيقة. يضاف الى ذلك أن النصائح القانونية التي أكدت أن الكويت يمكن أن تلغي الصفقة لأسباب سيادية لم تكن مدعومة بقوانين تؤكد ذلك، بل ان الزعم بأن الإلغاء تم لأسباب اقتصادية لم يكن له أن يحظى بالقبول من الجهات القضائية أو المحكمة التي لجأت اليها شركة الداو كيميكال في نزاعها مع الكويت.

أهم من كل ما سبق ذكره أن الكويت أصبحت تعاني من فقدان الثقة في القائمين على المؤسسات، وأصبح الكثير من هؤلاء متهماً بالتنفع والتربح على حساب المال العام. ربما يكون هناك عدد من المتنفعين لكن يجب ألا توجه الاتهامات من دون أدلة واضحة وقاطعة، كما أن هذه الاتهامات سممت الحياة السياسية وعطلت عملية التنمية وأدت إلى إلغاء مشاريع حيوية. وغني عن البيان أن مسؤولية الدولة في الحياة الاقتصادية وتوليها إنجاز جميع المشاريع الحيوية وتملكها حصصا مهمة في الشركات الرئيسية، مثل شركات القطاع النفطي، تؤدي إلى تلك التدخلات السياسية من جانب وحرص آخرين على التنفع من جانب آخر.

ولو تحولت تلك الأعمال الى القطاع الخاص وإُخضعت لمعايير السوق فإن ذلك سيؤدي إلى مشهد سياسي مختلف. القطاع الخاص، ربما، أحرص على متابعة التفاصيل الفنية والتي ستمكن من تحقيق النتائج الأفضل وتفادي المخاطر قدر الإمكان. لا يعني ذلك أن القطاع الخاص، أو رجال الأعمال، لا يرتكبون الأخطاء المهنية، بل ان أخطاء مهمة ارتكبت وأدت إلى إفلاسات من قبل مؤسسات خاصة مهمة في عالمنا هذا. بيد أن الهيمنة الواسعة للقطاع العام تجعل السياسيين متحفزين للاستفادة من كل صفقة من الجانب السياسي والانتخابي وبناء مواقف تخدم استمرار سطوتهم مستغلين افتقار المواطنين لمعرفة التفاصيل الفنية والاقتصادية. إذاً، كيف يمكن لنا أن نتجاوز هذه الإشكالية التي تواجه مختلف المشاريع الحيوية وتؤدي إلى تعطيل إنجازها حتى لو كانت ذات نفع اقتصادي واجتماعي على الأمد القصير والأمد الطويل؟ هناك ضرورة لتطوير آليات الاقتصاد الوطني وتحرير القطاعات الحيوية من هيمنة الدولة وتعزيز دور القطاع الخاص. يمكن تحويل هذه الأنشطة في القطاع النفطي إلى ملكية القطاع الخاص وتحميله مسؤولية إنجاز المشاريع الحيوية، وهذه الأنشطة هي أنشطة مصب لا علاقة لها بالثروة النفطية. كما أن إمكانات الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص يمكن أن تؤدي إلى مناخ سياسي مناسب، كما كان الحال في بداية عصر النفط، وقبل تأميم حصص القطاع الخاص في البترول الوطنية وصناعة البتروكيماويات.. إن تحريرنا من الشك يعتمد على تحرير الاقتصاد من هيمنة الدولة.

عامر ذياب التميمي

(باحث اقتصادي كويتي)

ameraltameemi@gmail.com
المصدر جريدة القبس

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.