عبدالله بشارة: الكويت.. في بيوت الإنجليز

في أولى ثمار رحلة سمو الأمير الى بريطانيا في زيارته الرسمية الى الملكة اليزابيث التي تمت في شهر نوفمبر الماضي، عقدت اللجنة التجارية المشتركة الكويتية – البريطانية أول اجتماعاتها في يوم الأربعاء، الثامن من الشهر الجاري، في القاعة التاريخية المعروفة باسم Guild- Hall، النادرة في أحداثها وفي الأبهة التاريخية التي تحيط بها.
ذلك اللقاء، الذي ضم عددا كبيرا من ممثلي الشركات البريطانية جاؤوا للاستماع الى وزراء الكويت حول موضوع واحد مهم ومغر، وهو حجم مشاريع التنمية في الكويت التي رست عليها الحكومة في برنامجها الاقتصادي للسنوات القادمة.
كانت القاعة مجهزة لحضور أكثر من مائة مشارك من الجانب البريطاني، بترتيبات ممتازة للاستماع الى الوفد الوزاري الثلاثي، الشيخ محمد عبدالله المبارك الصباح، وزير شؤون مجلس الوزراء والبلدية، والسيد أنس الصالح وزير التجارة، والسيد سالم الأذينة وزير المواصلات والاتصالات، يساندهم وفد فني من مستشاري الوزارات الثلاث، بالاضافة الى متخصصين في مكتب الاستثمار الأجنبي الذي يشرف عليه الشيخ مشعل جابر الأحمد، ومكتب المشاريع المشتركة الذي يتولى مسؤوليته السيد عادل محمد الرومي، والمجلس الأعلى للتخصيص ويمثله الدكتور محمد الزهير، مع آخرين من القطاع الخاص يمثلهم المبادر دائما السيد محمد الشايع، أكبر مستورد للمنتجات البريطانية، والسيد مروان بودي المهتم بالطيران وصاحب طيران الجزيرة، والسيدة نجلاء الغانم، المهندسة البارزة، ومن مجلس الأمة جاء كل من النائبين نبيل الفضل والسيدة صفاء الهاشم، اضافة الينا نحن الأعضاء في جمعية الصداقة الكويتية – البريطانية.
قضينا يوما كاملا نستمع من وزراء الكويت ومن ممثلي الشركات البريطانية، وأشرف على الجانب البريطاني اللورد مارلاند Lord Marland، العارف بالكويت والمسؤول عن تنمية التجارة مع الكويت، والذي أدار الجلسات بأسلوب جمع الخبرة والظرافة، المهم ان الوزراء الثلاثة ومساعديهم نجحوا في تقديم واقع التنمية في الكويت بالتفاؤل والعزم مع أرقام تستفز شهية رجال الأعمال، وكانت أسئلة كثيرة وأجوبة آملة، مع الحضور النيابي تأكيدا على الانسجام الايجابي والمتدفق بين المجلس والحكومة في دعم خطة التنمية.
ويهمني في هذا المدخل نقل ما دار، ليس فقط محصورا بالاهتمام البريطاني في الجانب المالي والتجاري للخطة الكويتية، وانما ما كان يتردد في تلك القاعة عن حقائق الكويت في الانفتاح المزمن للمستجدات والتأقلم مع واقع الكون مع تطور هذه المكونات الكويتية المتلازمة في حياتها، لتصل الى ديموقراطية انتخابية وممارسة برلمانية، وحرية اعلامية بسقف مرتفع ومنظمات أهلية وفصل السلطات واستقلالية القضاء، وتفوق المرأة وتشريعات عصرية في دولة الرعاية تعطي بلا تحفظات، واجواء مناخية سياسية تتميز بالتسامح والترفع.
كنت أستمع الى فيضان من الاشادة بالنظام السياسي الدستوري البرلماني، وعن تاريخ العلاقات بين البلدين، واختتمنا اللقاءات بحفل الاستقبال الذي أقامته جمعية الصداقة الكويتية – البريطانية بسخاء سنوي من مهندس المولات والمجمعات التجارية، الكويتي محمد الشايع، حيث تداخلت المصالح مع الصداقات وترابطت التمنيات مع التطمينات.
كان ذلك في لندن بينما تتواصل الأخبار من الكويت ناقلة حقائق المرض السياسي الدائم المرافق للحالة السياسية الكويتية المتثمل في ضعف الحزم وتأخر الحسم، وستظل مأساة الداو واحدة من أمثلة كثيرة تذكرنا بأن أحلام الكويت الزاهية هي أوهام مزعجة، وأننا لن نفلت من تراكمات الخيبة لأننا حتى الآن نتحاشى القرار في المواجهة، ونفضل فنون المناصحة على ذلك القرار الذي يجب ان تستدعيه الارادة السياسية.
السفر من مناخ الاشادة والاعجاب في تلك القاعة الجميلة في لندن، الى مسرح الأوجاع والهباب في الكويت أمر مستفز لأسئلة كررناها حول عقدة الأسرار التي تبطل الأحلام وتحولها الى أوهام، وعن الوهن المستقر في عظام الكويت في تخوفها من القرار الخشن، ومن تحاشي المواجهة في ادارة الشأن الداخلي.
ولعل الحديث الواسع الذي قدمه وزير النفط السابق المهندس محمد العليم، ونشرته صحيفة الراي في عددها الصادر يوم السبت 18 مايو 2013، عن الحالة السياسية الراهنة في التعامل مع عقدة الداو يعطينا مؤشرات واقعية عن آلام الكويت ومجتمعها من النفور من اتخاذ القرار الصعب، وكما نعلم، حسب قواعد الحياة، بأن ادارة البلد ليست ربيعا دائما وانما هزات وتوترات ومواجهات وقيادات، ولن تخرج الكويت من الاستكانة المستوطنة دون عزم من الحكومة على القيادة الحازمة المؤمنة بمسيرتها.
في رد الوزير العليم المعاصر لأزمة الداو عن سؤال حول المسؤولية السياسية يقول، إن المسؤولية القانونية يتحملها مجلس الوزراء والمجلس الأعلى للبترول وهما الآليات المعنية بالقرار، وفضلا الهروب من المساءلة السياسية، والسبب ان مجموعة الشعبي والآخرين من المجموعة الاسلامية تخندقوا في كمين جماعي متفق عليه للاطاحة برئيس الوزراء آنذاك سمو الشيخ ناصر المحمد، وتربصوا به متخذين قضية الداو كعنوان للكمين الذي تأتي منه سهام التلويث والتجريح.
وفضل رئيس الوزراء وهو من أصحاب فلسفة التوافق والتعانق الغاء المشروع لأن أصحاب الحناجر العالية ومثيري الصخب المستفز دشنوا حملة رعب في المجلس، استسلم لها الآخرون، فتوافرت الأغلبية لاسقاط الحكومة، وعندها كان الخيار اسقاط المشروع بدلا من اسقاط الحكومة، بعد ان تواصل الزحف البرلماني المبرمج على صلاحيات الحكومة وسلطاتها التنفيذية، ويقول الوزير السابق العليم إن على شعب الكويت ان يحاسب أيضا نواب الغارات والاثارات والاستفزازات لدورهم في هزيمة المشروع.
لكن تبقى الكويت دائما في حوسة، وهذه الحوسة الدائمة لن تنحسر بسبب عوامل الزمن، وانما علاجها في الهمة القيادية بالتحصن والتسلح في ضرورات القيادة واملاءات البقاء وحتميات المواجهة، طالما ان الحكومة لا تملك حزبا تستند إليه، فلا مفر لها في البقاء سوى استرجاع حق ادارة الدولة.
واذا اصطدمت في قيادتها مع المجلس فعليها ان تلجأ الى الحديث لشرح المواقف مع الراي العام الكويتي لنيل دعمه وتأييده.
والحق ان حكومة الالغاء السابقة جاملت كثيرا أعضاء المجلس السابقين الذين أرادوا لحم وعظام سمو الشيخ ناصر قبل صفقة الداو، وكان عليها شن برامج التثقيف وكشف التفاصيل عن هوية الصفقة بكل مباهجها ومتاعبها، دون تردد من غارات المشاغبين من النواب.
ولم يتسن للحكومة السابقة دعم من المجلس الأعلى للبترول وفقا لرواية الوزير السابق العليم، الذي يدعو الى احالة الحكومة كلها الى محكمة الوزراء بالاضافة الى المجلس الأعلى للبترول، وكذلك جميع من سعى الى افشال الصفقة، وأضيف شخصيا، أن المسؤولية أيضا تقع على أكتاف نواب المعارضة السابقين الذين نجحوا في تجذير الشكوك في ذمة الناس دون دليل وادخال نماذج الاغتيال السياسي لمن يعترض.
وضع الحكومة الحالية في إحالة كل الأطراف الى النيابة خطوة لكنها غير كاملة في غياب احالة الآخرين ممن صمت عارفا أو عارض نفاقا أو استغل تكسبا أو نهش عظام الآخرين اغتيالا، بمن فيهم الذين ينتشون بالتصريحات ابتهاجا وتبجحا وتشفيا، فقد وجدوا في سقوط الصفقة خشبة للبقاء على صفحات الذاكرة.
ونقول إن سجل التاريخ الناصع يضم فقط هؤلاء القادرين على أشواك القرار الصعب والمتقبلين لجروحه.

عبدالله بشارة
رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات

المصدر جريدة الوطن

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.