لماذا كل هذا الكم من الأحقاد، وهذا الكم من الغِلّ، الذي يُنفَث من الأقلام على صفحات الجرائد على شكل مقالات نقرأها كل صباح، فنُصاب بالغثيان من لغة النقد والرد، ونخاف من الكره والبغضاء نفسيهما اللذين نشتمهما من بين السطور، ونرتعب من النوايا غير النظيفة وحالة التخبُّط في استخدام أعتى الكلمات وأكرهها، للتعبير عما تختلج به الصدور؟!
ولن أقول إن ما جاء أعلاه هو المقصود، ولن أعلّق على مقال الزميل مبارك الدويله في القبس تحت عنوان «مجلس تلاحقه اللعنات». لا، إنما ما أريد التعليق عليه هو ما كتبه الزميل الدويله، وأيضاً، ما يكتبه آخرون بالنَّفَس نفسه في صحف أخرى، في حرب كلامية مستعرة تحمل في مضمونها كرهاً لا حدود له، نكون نحن القراء ضحاياه بالدرجة الأولى عندما نتأثر كثيراً بما يقذف به أحدهم الآخر، وما ينعته به. في الوقت الذي قد يجد الكاتب لهذا النوع من الكتابات لذة وراحة نفسية في أنه أشفى غليله، وأسمع خصمه ما يستحق من كلمات قاسية.
من الطبيعي أن يسمع الكاتب لهذا النوع من الكتابات جُمل الإطراء وعباراته ممن ينسجمون معه في الرؤى والتوجه، فيولد ذلك نوعاً من الحماسة تكون وقوداً لمقال آخر. ولكن، ما مردود ذلك في النهاية؟!
أعرف أن الزميل الدويله لم يكتب بهذا النفَس إلا ردّاً على مقالات أخرى، كُتبت بالنفَس نفسه، أيضاً، بأسلوب أقسى وأشد لذعاً، ولكن هذا لا يجيز لنا كلنا أن نصفّق لها كلها، ونشجّع عليها، فهي مضرة نفسياً لنا كلنا، منهم جميعهم.
لماذا تلاحق اللعنات مجلس الصوت الواحد؟! هل لأنه جاء برغبة السلطة؟ هل لأن ناخبيه أفراد من الشعب الكويتي الكريم، شيّبه وشبّانه، نساءه ورجاله، من كل الفئات التي لا شك في أنك تحترمها؟ هل تلاحقه اللعنات لأن من ترشح له وفاز بعضويته يؤمنون بحق سمو الأمير في إصدار مراسيم الضرورة وفق تقديره مع إعلان استعداده، حفظه الله، قبول أي قرار يتخذه المجلس في أول تصويت له على الموضوع، واحترامه لأي حكم تصدره المحكمة الدستورية بشأنه؟!
أم أن اللعنات تلاحقه، فقط، لأن فئة من المجتمع غير موافقة عليه ولا تريده لأي سبب كان؟! وبغض النظر عما إذا كان سبب الرفض أو عدم القبول صحيحاً أم لا، منطقياً أم لا، مردوداً عليه أم لا. فذلك لا يمكن أن يبرر أبداً ألا يكون مقبولاً إلا إذا انسجم مع مواقفكم وتوجهاتكم وانتماءاتكم. وبناء عليه، يكون مرضياً عنه، وإذا كان العكس فاللعنات تلاحقه، فلماذا؟!
كما من غير اللائق أن نصف الناس بالنكرات لمجرد أنهم انتخبوا من قبل الشعب الكويتي بطريقة ترفضونها وغير مقتنعين بها، حتى وإن كانت نسبة الناخبين أقل من الطموح المطلوب، فهذا، أيضاً، يتطلب منا أن نحترم من جاء بالعملية الديموقراطية ووفق خطوات دستورية لا تجاوز فيها حتى الآن، ولا يجوز لي أن أنتقص من حقه لأني لا أستمزجه ولا أحبه، فهو إنسان ابن ناس، وله مطلق الحق في التطور واختيار الطريق الذي يطمح إليه.
البرلمان الذي وصفته بأنه الحصن الحصين الذي تعود أهل الكويت على أنه مكان الدفاع عن مكتسباته، وهذا أفضل ما قيل عن هذا المكان الضخم بقيمته ورمزيته، هو المكان نفسه الذي اقتحمه بعض نواب المجلس السابق أو المجلس الذي لم تلاحقه اللعنات، وهو المكان الذي عيث به فساداً، وتجاوز المقتحمون داخله كل معاني الاحترام، وما مارسوه، آنذاك، داخل قلعة السلطة التشريعية، حيث اقتحمت الأبواب واعتليت الطاولات وديست بالأحذية ومورست الهوسات في بهوه، في ممارسة مرفوضة مرفوضة من كل الشعب الكويتي الذي يحترم هذا الحصن الحصين.
شيء طبيعي أن معظم النواب في هذا المجلس الذي تلاحقه اللعنات، كما تقول، غير مألوفين للعامة، وهذا يسجل لمصلحة الانتخابات الأخيرة وليس ضدها، وهذا شيء يشرف الكويت أكثر وأكثر، لأن هذه الانتخابات أفرزت أسماء جديدة شابة كانت لا تجد لها مكاناً في طابور الانتظار، لأن معظمها كان محجوزاً مسبقاً، وكأنها قد سُجّلت بأسماء معينة ولا يحق لغيرها الجلوس عليها، مهما كانت مؤهلاته وقدراته.
لست في مكان الدفاع عن هذا المجلس، الذي أنا شخصياً مقتنعة به، وشاركت في انتخاب أعضائه، ولكن هذا لا يمنع أبداً أننا وأنا واحدة منهم كتبت في أول مقال لي بعد إعلان النتائج أننا سنكون الميكروسكوب الذي سيلاحقكم ويراقبكم، وبالفعل انتقدنا بعض الممارسات التي لم نقبلها، لا منهم ولا من غيرهم، مثل رفض رفع الحصانة عن النائب نواف الفزيع، والتلفظ بمفردات مرفوضة داخل المجلس وغير ذلك من ممارسات لن نقبلها، بغض النظر عن قبولنا لهذا المجلس من عدمه، وتعيين الأقرباء من دون وجه حق.
أعلم أن هناك من النواب الجدد من هم كفاءة، وآخرين لا يتمتعون بأي كفاءة، كما هو في كل المجالس السابقة. والأسماء التي هي اليوم أسماء معروفة يُعمل لها ألف حساب كانت غير معروفة، أيضاً، في سنة أولى برلمان، ولكنها مع التكرار والإعادة فرضت نفسها على الساحة، إيجاباً أو سلباً، وما أكثر الإيجاب والأقل سلباً، والحمد لله!
ليس المقصود في هذا المقال شخصاً بعينه أو اسماً بذاته، فكل صحيفة فيها قلم أو أكثر يلسع ويضرب ويجرح، ولكنني أحببت أن أنقل شعوراً عاماً من قراء لكتّاب نظل نحترمهم ونقدر مكانتهم، وإن كنا لا نتفق مع وجهات نظرهم ولا ننسجم مع توجهاتهم، ولكنهم كلهم في النهاية زملاء مهنة، ومن أفراد الأسرة الكبيرة، التي لا نتمنى لها سوى الانسجام، وأن يغلّف الحب والاحترام كل أركانها.
إقبال الأحمد
iqbalalahmed0@yahoo.com
المصدر جريدة القبس

قم بكتابة اول تعليق