مطعم واحد فقط في الكويت أشتري منه كباب اللحم وأنا في غاية الراحة والاطمئنان لأن اللحم الذي يصنع منه الكباب معروض أمام الزبائن، أما كباب باقي المطاعم فلا ينزل من بلعومي الا مسبوقا بأفكار الشك والريبة في الكائن الذي صنع من لحمه، وفي الغالب لا أستطعمه ولا أتلذذ فيه، وفي الغالب أكثر لا أتابع أكله، وأرى ان خبزة وجبنة وشريحة خيار أكثر أمانا للصحة، ويا روح ما بعدج روح.كان هناك وقت جميل، تناول لحوم المطاعم فيه لم يكن يمثل مشكلة في الكويت، فالفساد وقتها كان، الى حد كبير، بعيدا عن قطاع الرقابة في البلدية، ورجال البلدية في ذاك الزمان كانوا يقفون سدا منيعا أمام حالات الغش، ولديهم من صحوة الضمير ما يمنعهم من السماح بخداع وتسميم المستهلكين نظير رشوة تسكتهم، أو فائدة تشل أيديهم، وقد تغير ذلك بالطبع بعد ان أصبح المال كل شيء، وبعد ان سيطرت أطماع الدنيا على بعض النفوس الضعيفة، فجعلتها تغض الطرف عما يحدث، وويل لمن لم يمنعه دينه وخلقه عن غش الناس، واغتيال صحة الغافلين.في الحقيقة كان ذلك الاعلان في الجرائد مغريا جدا فحبات الكباب اللذيذة المغطاة بالسماق الأحمر القاني مستلقية بكل دلع على الخبزة الايرانية، يحيط بها أنصاف الليمون وجوانح البصل الأبيض والطماطم المشوية، وكلها توجه لك الدعوة وتناديك بأن تسرع وتطلبها، وتستمتع بتناولها، وقد فعلت، بعد الحاح من نفسي الأمارة بالسوء.وصل الطلب، ووضعت الكيس أمامي على السفرة، وفتحته، واشتغلت وسوسة الشيطان.أخذت (أشلّص) في أصابع الكباب، وأتفحّص اللحم، وأتمعن في أصله وفصله، لعلي أتبين جنسيته، وتتحرك حاستي السادسة وتشوف شغلها، وابليس يزنّ ويزنّ.تارة يقول لي ان اللحم جاء من جواميس عردة، نفقت لأمر ما، فتم تصديرها لنا من الهند وأفريقيا، وتارة يوسوس في ذهني بأنه مأخوذ من لحوم قطط أو كلاب سائبة أو حتى خراف مريضة بيعت بأرخص الأسعار كما حدث مع ذلك المطعم في أم الهيمان، وطورا يقنعني بأنها أتت من لحم أحصنة وحمير كبرت، وعجزت عن العمل في التحميل، فذبحت وصدرت لحومها الينا على أنها لحوم مواشي، والا فبماذا أفسر عدم التماسك هذا في اصبع الكباب، ولماذا يتفتفت اللحم بهذا الشكل قبل حتى ان يوضع في الخبزة.بالمختصر المفيد، لم أشعر براحة نفسية تجاه ذلك الكباب، خاصة أنني أطلب من ذلك المطعم للمرة الأولى، ولا أنكر ان جنسية العاملين في المطعم كانت السبب الأول، فكيف أطمئن لمن أصبح الغش يجري في دمائهم مجرى الدم.حاولت اقناع نفسي بأنني مخطئة، وأن المطعم نظيف، والعاملون فيه شرفاء، ومفتش البلدية الذي يمر عليهم أمين، واللحم طيب لا تشوبه شائبة، ففشلت، وكان لابد مما ليس منه بد.ناديت على الخادمة، وطلبت منها ان تأخذ اللحم خارج البيت، وتضعه للقطط كي يأكلوه، فهم على الأقل بهائم لا تملك عقولا وجلة، متوجسة، يجعلها تشك في كل شيء من فرط السوء المنتشر في هذا الزمن الرديء.
عزيزة المفرج
almufarej@alwatan.com
المصدر جريدة الوطن

قم بكتابة اول تعليق