صلاح الساير: سيرة الطين

الزلازل تشق الأرض شقا فتهدم المباني والجسور وتدخل الرعب في القلوب. الجفاف يتهدد الحياة على سطح هذا الكوكب ويحاصر الناس بالجوع والعطش. الفيضانات تغمر السهول وتطمس الطرقات بالوحل وتغرق الزروع. العواصف تقتلع الأشجار والمنازل على اليابسة والأنواء تشعل موج البحر. الأمراض تنهش الأجساد البشرية، وكلما عرف الإنسان دواء لعلة قديمة هاجمته علل جديدة.

منذ بدء الخليقة والأمراض والكوارث الطبيعية تطارد حياة البشر ورغم ذاك يتسابق الناس نحو الحروب وكأنهم لا يكتفون من العذاب ولا قبورهم تشبع من الموتى. يسرجون خيولهم ويصقلون سيوفهم ويثقفون رماحهم فيقاتل بعضهم بعضا، إما طمعا بكرسي حكم أو طمعا بقطعة أرض أو لهفة على ثروة، فتسيل بالباطل أنهار الدم على الأرض تحت رايات حقوق مزعومة.

منذ اندلاع أول حرب عرفها البشر ومات فيها ربع سكان الأرض حين قتل قابيل أخاه هابيل، والبشرية لم تعرف السلام. وبعد أن كان المتحاربون يتلاقون مواجهة وقت الاشتباك صار الناس يَقتلون ويُقتلون عن بعد بعيد، فلا قابيل رأى هابيل، ولا الثاني يعرف الأول. حروب (وبعضها حروب دينية مقدسة) تتواصل عبر العصور تخطف الأرواح من الأبدان ليعود بعدها الطين إلى مهده الأول.

www.salahsayer.com
المصدر جريدة الانباء

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.