مرفوعة إلى وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي إن كان ثمة من له الوقت ليقرأ
بمناسبة الخبر الذي قرأتُه، وعلقتُ عليه أخيرا، المتعلق باستقدام خبراء في التربية والتعليم من سنغافورة، استرعى نظري صديق حميم الى حقيقة كنت أنسيتها عن التربية والتعليم في كل من الولايات المتحدة واليابان، وأنا أعرضها اليوم لعلاقتها بما كنت تحدثت فيه: فقد تصدت كل من الدولتين المذكورتين الى فحص نظام التربية والتعليم في الدولة الأخرى، لما تقيمه كلتاهما من أهمية لهذا النظام في المجتمع؛ والاضطلاع بهذه الدراسات وحده دليل على ما توليه الدول المتحضرة من أهمية للأمر، وتفاوت هذه الأهمية نفسها بين الحضارات المختلفة: اذ تزداد أهميتها في المجتمعات المتحضرة، وتتضاءل حتى تكاد تنعدم في المجتمعات المتخلفة.
كشفت الدراسة الأميركية امتياز محصل نتاج التعليم الابتدائي والثانوي في اليابان ومستوييهما العاليين وفضلهما على المستوى السائد في أميركا، وعزت ذلك لأسباب مختلفة يمكن تلخيصها كما يلي:
أولا ـ كون المجتمع الياباني مجتمعا متجانسا تجانسا عرقيا وحضاريا يسّر تطبيق نظام تعليم شامل موحد في أرجاء البلاد المختلفة، بخلاف ما هو جار في الولايات المتحدة، حيث تكثر الاجناس، وتتعدد الأصول العرقية، وتتفاوت الخلفيات الحضارية والقدرات المالية، وحيث تصر الحكومات المحلية على برامج تعليمها الخاصة، وتُـقاوَم نزعة السلطات الفدرالية للتوحيد.
توحيد الإنفاق على التعليم
ثانيا ـ بينما تتفاوت القدرات المالية للولايات المختلفة في اميركا، وتختلف بالتالي قدراتها على الانفاق على التعليم، يوحد النظام الياباني الانفاق على التعليم في أرجاء البلاد المختلفة، وتتلاشى الفروق بين المقاطعات الغنية والفقيرة، ولا تظهر فروق منشؤها تفاوت الثراء بين الخريجين.
ثالثا ـ طول السنة الدراسية: فهي أطول في اليابان مما هي عليه في الولايات المتحدة.
رابعا ـ عند مقارنة طبيعة الانفاق على التعليم تظهر فروق حضارية تستدعي النظر بين الدولتين: ففي الولايات المتحدة التي يتجاوز الانفاق فيها على التعليم نظيره في اليابان بنحو %60، ينفق نحو %40 من ميزانيات التعليم على خدمات غير تعليمية بالمعنى الدقيق: كنقل الطلاب، واطعامهم، وتنظيف أماكن دراستهم، في حين أن الطالب الياباني يستعمل الدراجة أو يمشي الى مدرسته، وغالبا ما اضطلع الطلاب والطالبات أنفسهم بتنظيف مدارسهم بعد انتهاء الدراسة اليومية.
خامسا ـ على الرغم من ان الطالب والطالبة اليابانيين يلقيان التشجيع اللازم لممارسة الألعاب الرياضية بعد ساعات الدراسة، وعلى الرغم من اشتراكهما فيها عملا، فهي في أنظارهم تسلبهم من الوقت الذي يرغبون تكريسه لواجباتهم المدرسية، فهم احرص على تكريس أوقات فراغهم لها. ولا ينتقل الطالب الى مرحلة تالية أعلى في حياته الدراسية من دون اجتياز امتحان خاص، مشفوع أحيانا، في المدارس الرفيعة، بمقابلة انتقاء تقررها هيئة التدريس. ويستتبع التحضير للانتقال الى مدرسة أرفع دروسا خصوصية وساعات عمل اضافة الى العمل الاعتيادي.
سادسا ـ بالنظر إلى شح المصادر الطبيعة في اليابان، وقلة أراضيها الزراعية، نشأ فيها تقليد جعل من الامتياز في العلم مخرج نجاة من محنة شح الطبيعية هذا، وكذلك تنامت في الشخصية اليابانية رغبة عارمة للسعي في طلب العلم والتفوق فيه، كوسيلة للنجاح في الحياة.
سابعا ـ تكريس الأم اليابانية جزءا كبيرا من وقتها لمتابعة تعليم أولادها لمساعدتهم خاصة في امتحانات القبول في المدارس المتميزة التي يتوقف القبول فيها على كفاءة الطالب، وتشترط لقبوله شروطا أصعب ومقابلات شخصية.
ثامنا ـ من خصائص المدارس الابتدائية والثانوية طول اليوم الدراسي الذي يمتد الى ست ساعات تعقبها ساعات للرياضة، ونشاطات أخرى في الهواء الطلق. وتعتبر ساعات الدراسة اليابانية من أطول ما في العالم.
تاسعا ـ من مميزات المجتمع الياباني تقيد الفرد بسلوك الجماعة، والالتزام بما تفرضه عليه تقاليدها؛ وعلى ما يؤدي هذا السلوك اليه من تحديد الابداع الفردي، فقد كانت نتائجه في نظام التعليم الياباني إيجابية: فالأمية ممحوة، والغياب منعدم تماما، ومتابعة الدراسة بعد مرحلة التعليم الاجباري هي بمعدل %96، ونحو نصف خريجي الثانويات (%46) يواصلون تعليمهم العالي. وقد دلل اليابانيون، مرة بعد أخرى، على امتياز نظامهم التعليمي بتفوق طلابهم في الرياضيات في المباريات العالمية كافة من دون استثناء.
الاضطلاع بمسؤوليات شخصية
عاشرا – يضطلع المعلم الياباني بمسؤوليات شخصية قِبَل تلاميذه كتفقده تغذيتهم، وساعات نومهم، ونظافتهم الشخصية وعاداتهم الصحية، ونشاطاتهم خارج المدرسة، كما يُعلَّم التلميذ احترام معلميه وأساليب مخاطبتهم، والتزام الدقة في المواعيد، والتعاون مع زملائه في العمل الجماعي في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي.
وكذلك تتكون شخصية الطالب الياباني في هاتين المرحلتين قبل وصوله الى مرحلة التعليم العالي او المهني؛ وبعد الوصول الى نهاية المرحلة الثانوية يجتاز الطالب الراغب في مواصلة تعليمه العالي امتحانا عاما يؤهله للدراسة الجامعية؛ غير أن الجامعات المميزة التي تفضل الحكومة والشركات الكبرى خريجيها على غيرهم عادة، تتطلب امتحان قبول إضافيا خاصا يؤهلهم للقبول فيها.
وتختلف الجامعات اليابانية عن الأميركية في الوسائل والغايات: فالجامعات الأميركية تهدف الى تزويد الطالب برصيد علمي أو تكنولوجي يكسبه خلال سني دراسته، رصيد يكون اساسا عاما لما ستضيفه اليه خبراته في العمل والحياة عامة؛ وهي لذلك تزوده بمتاع «اكاديمي» غني يكون زاده في مستقبله؛ أما الجامعات اليابانية فتكتفي بأن تكون حلقة وصل بين الطالب والمؤسسة التي ستستخدمه بعد تخرجه. ومما يجب ذكره في هذا السياق أن المؤسسات اليابانية تولي تدريب المبتدئ تدريبا مباشرا بإشراف رؤسائه في العمل، أهمية كبرى، وتفضله على أي متاع «اكاديمي» قد يحمله اليها «المبتدئ» من دراسات جامعية لا جدوى عملية ترجى منها. ويرى المدافعون عن هذا النظام أنه أقرب استجابة لمتطلبات المجتمع من نظيره الاميركي، وان من فضائله تعليم المبتدئ الاشتراك في العمل كفرد في جماعة؛ غير أن بعض المؤسسات اليابانية بدأت أخيرا تعيد النظر في هذا التقليد، مظهرة ميلا لتجربة النظام الأميركي الذي يعطي «الخَلق»، و«الابداع» المكان الأول.
❊ ❊ ❊
عفا الله عمن دعوا لإقامة جامعة في الكويت! لا أذكر أن أحدا من دعاة إقامتها خطر له أن يطرح أيا من المشاكل التي تقدم ذكرها، أو سأل عن الغرض الذي أقيمت الجامعة من أجله، وما هي الأهداف الحضارية والتربوية التي أريد منها تحقيقها؛ أما السؤال الأساسي وهو فضل اقامة جامعة وطنية على إرسال الطلاب الكويتيين الى الخارج، فمما لم يطرأ لأي من المسؤولين طرحه. كما لم يسأل أحد نفسه عن الكلفة، ولا النوعية – اذا ما قورنت الجامعة الوطنية بإرسال البعثات الى الخارج، لأن الجامعة كانت كالعَلَم، وكالنشيد الوطني، لا يكتمل استقلال الكويت بدونها؛ فانظر كيف انقلبت أحلام الطفولة الى داء عضال تشكو منه البلاد، ولا تعرف سبيلا للخلاص منه! وما أسفي الا على الألوف من ضحاياه من الشباب الأبرياء.
لقد خُلقت المشكلة في سني التأسيس، أفيستطيع الجيل الحاضر من المربين حل ما ورثوا عن الآباء والأجداد؟ هذا هو تحدي الجيل الحاضر! أيها المسؤولون لقد تكاثرت وتراكمت التقارير؛ ولكن الجامعة والألوف من طلابها وطالباتها ما فتئوا ينتظرون الحلول. ليست مشكلة الجامعة بحاجة للتقارير؛ إنما المشكلة تصرخ في البحث عن الحلول! نعم الحلول!
فخري شهاب
المصدر جريدة القبس

قم بكتابة اول تعليق