للوهلة الأولى، ربما لا يلوم أحد وزير الصحة الدكتور محمد الهيفي على قراره وقف اجراء جراحات السمنة المفرطة تماما في الكويت لمدة ثلاثة شهور لحين وضع ضوابط لها بعدما تزايد اجراء العمليات من هذا النوع في الكويت، وبما تحمله هذه العمليات من مخاطر ومن حالات موت لأشخاص دخلوا غرفة العمليات وحلموا وهم يغيبون عن الوعي تحت تأثير البنج بحياة افضل ورشاقة وجمال وصحة، دون ان يعلموا ان غيبوبة البنج هذه لن يفيقوا منها ابدا، وان آخر مشهد رأوه كان وجوه الهيئة التمريضية المحيطة بهم وهم يعدون.. «واحد.. اثنان.. ثلاثة».. ويغيبون شيئا فشيئا عن الحياة.. تحت الاضواء المبهرة في غرفة العمليات.
ولكن مع قليل من التفكر نتساءل: وهل تخلو جراحة.. أي جراحة من المخاطر؟.. وهل نسب الاخطاء الطبية والمضاعفات لدينا في الكويت مرتفعة وتفرض فعلا اتخاذ مثل هذا القرار ام انها الضغوط السياسية التي لا يجب ان تتدخل ابدا في القرارات الطبية المتخصصة.
لقد كان وزير الصحة الدكتور محمد الهيفي من خيرة الجراحين الذين يجرون عمليات السمنة في الكويت، ومن أكثرهم تفرغاً لهذه العمليات.. فما الجديد الذي دفع به لاتخاذ هذا القرار؟؟
هذا ليس تساؤلي أنا، ولكنه تساؤل الجراحين الذين تضرروا من قرار المنع.
الجراحون يتساءلون: لديك يا وزير الصحة ما يكفي من الضوابط لاجراء هذه العمليات، فلماذا لا تفعِّلْها بدلاً من المنع، خصوصا وان المنع – حسب وجهة نظرهم – يجرح سمعة الكويت الطبية عموماً، وسمعتها على وجه الخصوص في هذا النوع من الجراحات التي تميزوا بها على مستوى الخليج والدول العربية ويضاهي بعضهم، بل ويتحدى بنتائج الجراحات التي اجراها أكبر اطباء العالم؟
الاطباء يقولون: لم يحدث سابقاً ان أثر تدخل سياسي في قرار طبي، والكويت من اقل دول العالم في الاخطاء الطبية والمضاعفات في هذا النوع من العمليات، ومن يثبت عليه تعدد الاخطاء الجسيمة والمضاعفات ليصدر قرار بمنعه هو، وليس منع الجميع.
يقولون أيضاً في اتصالات كان لي نصيب منها: ماذا عن مرضانا الذين ينتظرون دورهم لاجراء الجراحات، وبعضهم على قوائم الانتظار منذ سنة وسنتين؟.. ماذا عن مرضانا المقرر أن يأتوا من الخارج ليجروا عملياتهم في الكويت مستندين الى الرصيد العلمي والطبي الكويتي في هذا النوع من الجراحات وسمعة الجراحين الكويتيين العالية؟ ماذا عمن رتبوا اجازاتهم وأمورهم؟ ماذا عن الأدب الطبي؟.
هذا ما بلغني من شكواهم كأطباء جراحين وانقلها هنا، علماً بأني من اهل السمنة المفرطة، ولكني لا أفكر أبداً في اجراء مثل هذه الجراحات، ولا اشجع عليها، ولكن ارفض ايضاً فرض الوصاية على الناس في قراراتهم سواء الطبية أو غيرها.
واتمنى على وزير الصحة الدكتور محمد الهيفي الذي يعرف تماماً – كونه احد من يمارسون هذا النوع من الجراحات – يعرف مناطق وزوايا التلاعب على الضوابط، اتمنى عليه ان يُفعِّل الضوابط الموجودة بحزم وصرامة، ويشكل لجاناً لفحص ملفات المرضى المقبلين على هكذا جراحات، ويفعل دور ادارة التراخيص الطبية، ويفعل المراقبة والمتابعة، كما يجب عليه تفعيل ادواته الاعلامية لتوعية الناس، ثم يترك للناس حرية الاختيار.
ما اعرفه ان عمليات السمنة قد تكون قاتلة في بعض الحالات، لكن عدم اجرائها قد يكون قاتلا في حالات اخرى، ولهذا فالمطلوب من وزير الصحة ان يفتح الباب سريعا، ويفعل ضوابط صارمة لاتجامل احداً، ومن يدينه سجله الطبي يوقف فوراً، ومن يتلاعب يوقف، ومن لا يجري الجراحة بنفسه ويحيلها على المساعدين دون اخطار مرضاه يوقف.
٭٭٭
– ومن وحي اتصالات جراحي عمليات السمنة، وجدت لدي بعض الامنيات السياسية التي لا تجد جراحا يفعلها:
– أتمنى ان تصاب الحكومة بالسمنة المفرطة في الانجازات.
– أتمنى تكميم وتحزيم القرارات الحكومية المختلة والتنفيعية.
– أتمنى موت الفساد الحكومي في غرفة العمليات.
وليد جاسم الجاسم
waleed@alwatan.com.kw
المصدر جريدة الوطن

قم بكتابة اول تعليق