الرايات السود

احمد عيسى
مجريات جلسة الثلاثاء كشفت قصورا في الفهم، ومحاولة تذاكٍ لنواب الأغلبية لأنهم بكل بساطة تبينوا أنهم أمام مطب التحديات، وليس بإمكانهم الإنجاز وتنفيذ ما وعدوا ناخبيهم به، ومن بينها سحب بلاغ الاقتحام، وإقرار قوانين مكافحة الفساد، وتشكيل لجان التحقيق.

بإعلان مكتب المجلس، على لسان أمين سر البرلمان منتصف الأسبوع، تعديل صيغة البلاغ المقدم إلى النيابة العامة على خلفية دخول قاعة عبدالله السالم عنوة في نوفمبر الماضي، بدا واضحا أننا أمام أزمة فهم حقيقية بالتعاطي مع الشأن السياسي.
مكتب المجلس الجديد انقلب على سلفه، وفضّل أن يرجع عقارب الساعة إلى الوراء بدلا من المضي إلى الأمام وتجاوز المرحلة السابقة، فأعاد صياغة بلاغ قديم بحبر جديد لمجرد إبراء الذمة بعد إحاطة أعضاء مكتب المجلس الجديد علما بأن تقديم بلاغ جديد إلى النيابة العامة عن حادثة الاقتحام ليس له أي قيمة قانونية، ولن يغير من الواقع شيئاً، كون تكييف البلاغ وما احتوى عليه من جرائم متروكاً لسلطة النيابة العامة التي ربما تضيف جرائم جديدة أو تلغي جرائم احتوى عليها البلاغ.
ونظرا لأن النيابة العامة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في هذه المساءلة يكون قرار مكتب المجلس الأخير بإعادة صياغة البلاغ مجرد استعراض إعلامي وسياسي فقط لا غير، ناهيك عن أن النيابة العامة باشرت النظر في القضية، واستدعت متهمين بناء على تحريات المباحث وتقرير الأدلة الجنائية، وحققت معهم واحتجزت عدداً منهم على ذمة التحقيق، وكيّفت القضية بناء على ما حققت فيه، وأقوالهم وما تحصلت عليه من معلومات تمهيداً لرفعه أمام القضاء لينظر فيه بموجب محاضر التحقيق التي وقع عليها المتهمون، سواء كانوا مواطنين أو نواباً.
يجب التركيز على أن ما يحدث اليوم هو محاولة تحوير حقائق من خلال اختزال حادثة دخول مجلس الأمة عنوة، وكسر باب قاعة عبدالله السالم بمجرد فقدان مطرقة أو كسر “قلاص ماي”، وبالتالي فإن قيمة هذه التلفيات لا تتعدى 200 دينار، ولهذا تصبح الجريمة تافهة ولا قيمة لها، أو محاولة ربط قرار مكتب المجلس إعادة صياغة البلاغ برفع نواب الأقلية الأعلام السود احتجاجاً على القرار ورفع الجلسات إلى حين إزالتها، وبعدها تحويل المسألة من خلاف حول قرار مكتب المجلس إلى مشروع فتنة طائفية يريد كلا الطرفين فيه تصفية خصومه سياسيا.
إن حادثة اقتحام قاعة عبدالله السالم جريمة بحق الوطن، ولا يمكن تبريرها بأي سبب سواء كان سياسيا أو قانونيا، تماما مثلما لا نقبل التماس أي عذر سياسي لتصويت الأغلبية السابقة على إسقاط الاستجواب من جدول أعمال مجلس الأمة.
مجريات جلسة الثلاثاء كشفت قصورا في الفهم، ومحاولة تذاكٍ لنواب الأغلبية لأنهم بكل بساطة تبينوا أنهم أمام مطب التحديات، وليس بإمكانهم الإنجاز وتنفيذ ما وعدوا ناخبيهم به، ومن بينها سحب بلاغ الاقتحام، وإقرار قوانين مكافحة الفساد، وتشكيل لجان التحقيق، ولهذا رأيناهم يستعرضون بالقاعة ويثيرون الغبار ويهربون إلى الأمام بكل ذكاء لتغطية عجزهم ومواجهة الاستحقاقات التي تنتظرهم.

على الهامش:
إذا كان اقتحام مجلس الأمة مبعث فخر… فلماذا لا يتحمل “الأحرار” مسؤولية قرارهم؟!
المصدر جريدة الجريدة

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.