عامر التميمي: الاختلالات الهيكلية.. مجدداً

عقدت الجمعية الاقتصادية مؤتمرها العلمي السابع يوم السبت، الموافق الرابع من مايو الجاري، حيث جرى التطرق لقضايا الاقتصاد الكويتي الأساسية، وهي قضايا سبق التطرق لها من قبل جهات حكومية وخاصة، وفي محافل متنوعة. كان من أهم المسائل التي طرحت تلك المتعلقة بهيمنة القطاع العام في البلاد، وكيفية معالجة هذه الوضعية وتطوير دور القطاع الخاص. ولا شك أن هذه المسألة أصبحت تمثل أهم التحديات في عملية الإصلاح البنيوي، ولا يمكن للمرء أن يتوقع التحرر من هذه الهيمنة خلال أمد قصير. عندما يصل إجمالي مخصصات الميزانية العامة أكثر من 20 مليار دينار، وتتحمل الدولة أعباء المرافق الحيوية مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والبنية التحتية وإسكان المواطنين، ناهيك عن الخدمات التعليمية والصحية والأمن، فإن إمكانية الحد من هذه الهيمنة تصبح من الأمور المستعصية. كما أن دور القطاع الخاص ما زال محدودا،ً وهو لا يساهم في الناتج المحلي الإجمالي إلا بحدود لا تتجاوز 25 في المائة من قيمة ذلك الناتج، إن مساهمة العمل الاقتصادي للقطاع الخاص تظل ضيقة، ولا تتناسب مع المقاييس والمعايير العصرية لأي اقتصاد فعال وحيوي، إذا كانت هناك محاولات في الوقت الراهن لتوسيع دور القطاع الخاص من خلال تبني برامج لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأسيس صندوق برأسمال مهم لدعم هذه المشروعات، فإن الآليات المتبعة لا تزال بعيدة عن مقاييس الاقتصادات الحرة التي تعتمد على آليات السوق، لقد سبق للكويت في بداية عصر النفط أن اعتمدت على المشاركة بين القطاع العام والقطاع الخاص، وأقامت شركات القطاع المشترك للقيام بأنشطة في قطاع النفط والصناعات التحويلية غير النفطية والخدمات، ولكن هذه الصيغة التي اعتمدت على إمكانات القطاعين لم تستمر بعد الصدمة النفطية الأولى في منتصف سبعينات القرن الماضي.

كان من المسائل الأخرى التي اثيرت في المؤتمر مسألة التحديات الديموغرافية والاقتصادية، وهي تحديات، لو تعلمون، عظيمة، أدى الاعتماد على آليات الإنفاق العام إلى تغير كبير وواسع النطاق في الأوضاع السكانية في البلاد، وبعد أن كان عدد سكان الكويت في مطلع خمسينات القرن الماضي لا يزيد على المائة ألف نسمة، معظمهم من المواطنين، أصبح عدد السكان الآن يقارب 3.8 ملايين نسمة، منهم 1.2 مليون كويتي، أي بنسبة 31 في المائة، أهم من ذلك أن الوافدين يشكلون قوة العمل الحقيقية في البلاد، حيث تبلغ نسبتهم 84 في المائة من إجمالي قوة العمل، في حين لا تزيد نسبة العمالة الوطنية على 16 في المائة من إجمالي قوة العمل، يتكدس جل أفرادها في وظائف حكومية متكررة. جزء مهم من قوة العمل الوطنية يمثل بطالة مقنعة مدفوعة كامل الأجر. كيف يمكن إنجاز تحولات في سوق العمل من دون ترشيد التوظيف الحكومي، وتوطين عمالة القطاع الخاص بموجب معايير اقتصادية حقيقية، ومراجعة عناصر الرواتب والأجور وتحديد اسس واقعية وموضوعية لتوظيف العمالة الوافدة؟ كما أن زيادة مساهمة العمالة الوطنية في سوق العمل، وخصوصاً في مؤسسات القطاع الخاص، تتطلب إعادة النظر في فلسفة التعليم وبرامج التعليم، وتأكيد أهمية التعليم المهني والفني.

تلك كانت أهم قضايا المؤتمر، وهي قضايا مهمة، ولكنها تتطلب معالجات ومواجهات جادة إذا ما أردنا تطوير آليات اقتصادنا الوطني.

عامر ذياب التميمي

باحث اقتصادي كويتي

ameraltameemi@gmail.com
المصدر جريدة القبس

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.